الرئيسية / الأبرز / الفساد والفضاء الافتراضي: بين الترهيب والترغيب

الفساد والفضاء الافتراضي: بين الترهيب والترغيب

الفساد هو «كل استغلال للسلطة العامة لتحقيق مكاسب خاصة، وكل فعل يؤدي الى التماس أو عرض أو قبول منفعة غير متوجبة، من شأنها التأثير في السير الطبيعي للوظيفة أو للخدمة العامة، وكل فعل يفضي الى زعزعة الثقة بمسار القطاع العام وبشفافية القيمين عليه».
هذه المقدمة التعريفية للفساد وردت في نقاش لجنة المال في مجلس النواب اللبناني لمهمات الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.
بحسب المادة السادسة من قانون انشاء الهيئة، تتشكل الهيئة على النحو التالي:
– قاضيان متقاعدان بمنصب الشرف يتم انتخابهما وفق الأصول التي ترعى انتخاب أعضاء مجلس القضاء الأعلى، على أن تتألف الهيئة الناخبة من مجمل القضاة الأصيلين في القضاء العدلي والإدارة والمالي.
– محام أو حقوقي من بين أربعة أسماء يرشح اثنين منهم مجلس نقابة المحامين في بيروت واثنين مجلس نقابة المحامين في طرابلس.
– خبير محاسبة، من بين ثلاثة أسماء يرشحها مجلس نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان.
– خبير في الأمور المصرفية أو الاقتصادية من بين ثلاثة أسماء ترشحهم هيئة الرقابة على المصارف.
– خبير في شؤون الإدارة العامة أو المالية العامة أو مكافحة الفساد من ثلاثة أسماء يرشحهم وزير الدولة لشؤون التنمية الإدارية.
وبحسب المادة 18 من الاقتراح، تعمل الهيئة على مكافحة الفساد والوقاية منه وكشفه وتلقي الكشوفات المتعلقة بالفساد واستقصاء جرائم الفساد ودرسها وإحالتها إلى سائر الهيئات الرقابية والتأديبية والقضائية، رصد وضع الفساد وكلفته وأسبابه وجهود مكافحته والوقاية منه، وكذلك إبداء الرأي في التشريعات والمراسيم والقرارات والمتعلقة بمكافحة الفساد.
وهنا لا بد لنا وفي معرض مناقشة قوانين مكافحة الفساد في بلد مثل لبنان، وتجنباً للخوض في نقاش المواد القانونية والتشريعات التي تحتاج لأصحاب اختصاص، لا بد أن نناقش ونسأل من منطلق اختصاصنا وخبرتنا لماذا لم تلحظ القوانين المقترحة «نظم حماية الفساد الإعلامية» وأدواته وأبواقه الترهيبية؟
خاصة وأننا في بلد يستخدم فيه «الفاسدون» كافة الوسائل لترهيب مكافحي الفساد، والذين من خلال امتلاكهم سلاح المال والإعلام، يستطيعون استخدامه للتضليل حينا وللترغيب حينا آخر.. وللترهيب في معظم الأحيان.
فكم من قضية رأي عام مرتبطة بالفساد الحاصل في أجهزة الدولة اللبنانية، ربحها الفاسدون من خلال «اللوبي الإعلامي» الذي يعمل لصالحهم، وكم من قضية استطاعوا التعمية على تفاصيلها من خلال ذراعهم الإلكتروني الجديد، أي فتوات «السوشال ميديا» ومنظومات الحسابات الوهمية المختلفة التي باتت تتخذ من منصات التواصل الاجتماعي متاريساً لمهاجمة ومحاربة أي نهج إصلاحي فردي كان أو حزبي أو مؤسساتي؟
حتى الآن يمكن القول بأن «منظومة الفساد» قد نجحت في مد أذرعها الإلكترونية على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وأسست لما يمكن اعتباره «قوة ضاربة» مدعومة بالمال والوسائل اللازمة للانقضاض على كل ناشط يحاول طرح قضايا الفساد بشكل موضوعي ومنهجي، ومحاولة تسخيفه حيناً أو اختلاق الاتهامات والافتراءات المختلفة لتشويه صورته، مما يستوجب أما تضمين القوانين الخاصة بمكافحة الفساد مواداً تسمح بملاحقة هذه المنظومة الافتراضية ومن يقف وراءها، أو خلق منظومات اصلاحية افتراضية قادرة على الانخراط في المواجهة مع الفساد وأذرعه وتأمين إطار يحمي الناشطين ويتماهى مع مشاريع وخطط النهج الإصلاحي الساعي لمكافحة الفساد ومحاربة أدواته وسد الثغرات القانونية بوجهه.
قد تفاجئ هذه المقترحات البعض، وتدفعهم للتساؤل عن جدوى «المعارك الافتراضية» لا سيما في معرض محاربة الفساد، لكن واقع التجربة في لبنان، لا سيما في طريقة التعاطي الإعلامي المزاجي مع قضايا الفساد وتعقيدات العلاقات المنسوجة بين «الإعلام وأرباب الفساد» في لبنان ببعديها السياسي والطائفي، تستدعي منا وممن يعنيهم الأمر، منع «منظومة الفساد» من استخدام منصات الترهيب والترغيب والتضليل، ومنعها بالدرجة الأولى من إثارة الغبار حول القضايا الأكثر التصاقا بهموم الناس كلما فتح ملف فساد وهدر في وجههم أو كلما استشعروا خطر اقتراب ساعة المحاسبة والإصلاح.

 

(الإعلامي جمال شعيب – خاص لموقع التنسيقية)

شاهد أيضاً

بالفيديو.. أمطار غزيرة في الحرم المكي لأول مرة في شهر رمضان

تدوال رواد مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومقاطع فيديو توثق هطول أمطار داخل الحرم المكي، يوم …