لم يكد يكسر الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله أحادية الخيارات الاقتصادية التي فرضتها أميركا، وقبلها فرنسا وبريطانيا على لبنان، بإعلانه أول من أمس عن تعاون مستقبلي مع جمهورية الصين الشعبية، حتى ردّ الصينيون، بالعلن والسرّ، على الرسالة بمثلها.
وخطاب نصر الله ليس ارتجالياً أو وليد تطوّر الأزمة الحالية، بل تتويج لمسار من الاتصالات والنقاشات داخل لبنان وداخل الصين، وبين جهات في البلدين، بدأت قبل أعوام، ببطء وحذرٍ شديد.
لكن اليوم، مع تعاظم حرب الدولار الأميركية على لبنان والمنطقة، بهدف تجويع شعوبها وفرض تنازلات سياسيّة عليها، لم يعد الخيار الصيني تَرَفاً، بل غدا متنفسّا اقتصادياً وإنمائياً، يغيّر طبيعة العلاقات الاقتصادية في لبنان، ويعيد ترتيب بنىً تحتيّة استراتيجية، لطالما كانت عائقاً أمام أي تطوّر، وسبباً في تكرار دورة الاتكالية والارتهان للاستهلاك.
غالبية الأنشطة المحتملة للصينيين في لبنان تدور على أساس إقامة بنية تحتيّة تضمن بناء اقتصاد لبناني، قادر على الانتقال من دور المتلقّي إلى دور المنتج. فمن الكهرباء إلى سكك الحديد ومعالجة النفايات وتوليد الطاقة من مصادر متعدّدة، تبدو الاهتمامات الصينية في البلاد بمثابة «نفضة» لبنى تحتية قديمة، صُنعت على قياس مدن ضيّقة وأعداد صغيرة من السكان، ولا يتمتعون مع ذلك بحيّز عام. وهذا «الانتفاخ» كان شرطاً، مع حكم نظام التحاصص الطائفي لتأمين استقرار على مراحل متعدّدة لدور لبنان، كمصرف، يحكم عبره الأميركيون جزءاً كبيراً من حركة أموال شرق المتوسط.
أمّا اليوم، فأدى الارتفاع الهائل في عدد السكان وغياب أي توجّه اقتصادي حقيقي واستمرار سياسة المحاصصة، إلى أن ذابت المدن بالضواحي وضحلت غالبية القطاعات المنتجة، وتحوّلت أزمات النفايات والكهرباء وغياب النقل العام والصرف الصّحي إلى أبواب لاستنزاف مقدّرات الدولة واللبنانيين، وعوائق أمام السياحة والخدمات، ونوافذ نحو «فدرالية» مقنّعة. وكل هذا الخراب لا يضمن إنتاج الحلول، بل يضمن تشظّي البلاد، في الأزمات وفي العلاج على حدٍّ سواء، نحو دولة مركزية مفكّكة ودويلات طائفية ومذهبية تأخذ أشكالاً ملطّفة.
في المقابل، لا يحمل التوجّه الصيني نحو لبنان نيّة «العمل الخيري»، لكن يتناسب تطوير البنية التحتيّة في لبنان مع مبادرة «حزام وطريق»، التي أطلقتها الصين قبل سبعة أعوام، لإعادة رسم طريق الحرير من الشرق نحو الغرب القديم وأفريقيا، بسكك الحديد وخطوط النقل البحرية والجويّة، من بحر الصين الجنوبي إلى لندن في الشمال وجوهانسبرغ في أقصى الجنوب الأفريقي.
ولبنان، الخامل، لم يكن حتى على خارطة «حزام وطريق» في نسختها الأولى. ولو استمر إهمال المبادرة لأهمية لبنان، وبوجود مرافئ بديلة منضوية ضمن المبادرة بدل المرافئ اللبنانية، كان لبنان ليخسر فرصة تحوّله إلى واحة مالية وممرّ لخطوط النقل والشركات الصينية.
ومّما لا شكّ فيه، فإن الضغوط الأميركية على إسرائيل، والتي توّجها وزير الخارجية مايك بومبيو في زيارته الأخيرة لفلسطين المحتلّة، وتحذيره قادة دولة الاحتلال من التعاون مع الصين، ولا سيّما الاستثمارات الصينية المنوي تنفيذها في مجال النقل البحري ومرفأ أشدود والصناعات التكنولوجية، تصبّان في المصلحة اللبنانية المباشرة، وتسمح للبنان بوضع موانئه على خارطة النقل الصينية.

تسعة مشاريع استراتيجية
يقدّر أكثر من مصدر معني بملفّ الشركات الصينية المهتمة بالاستثمار في لبنان، وهي بالمناسبة من أول عشر شركات كبرى في الصين، أن قيمة العروضات للاستثمارات الصينية تتجاوز مجموع ما يمكن أن يؤمّنه مؤتمر «سيدر»، وستصل إلى أكثر من 12.5 مليار دولار أميركي.
ويضمن هذا المبلغ تنفيذ 9 مشاريع كبيرة، أبرزها سكك الحديد وقطاع الكهرباء. ولا يلتزم الصينيون بسكّة حديد واحدة تمتّد على الخط الساحلي، بل بشبكة متكاملة تجعل لبنان مترابطاً من أقصاه إلى أقصاه، عبر سكّة الخط الساحلي وربط المرافئ وسكّة طريق الشام، بما فيها نفق حمانا، والخطوط الداخلية التي تربط الجنوب بالبقاع وبالساحل غرباً ودمشق وحمص شرقاً. ويتكامل ذلك مع عرض لتأهيل مرفأ بحري وإدارته.
ويهتمّ الصينيون كذلك بإنشاء معامل لإنتاج الكهرباء بالفيول أو الغاز، وكذلك منشآت إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية، التي وُضعت دراسات لتوليدها فوق مجاري نهر الليطاني وسدوده، إضافة إلى مساحات أخرى. ولا يغيب نهر الليطاني عن الاهتمام الصيني، حيث يعرض الصينيون تنظيف مجرى النهر ومعالجة الملوّثات التي جعلت مياه النهر ومجراه مكاناً غير قابل للحياة، بدل أن تكون مصدراً للإنماء وتطوير الانتاج الزراعي، وعاملاً من عوامل الاستقرار الديموغرافي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ملفّ النفايات، حيث يمكن للصينيين أن يقدّموا حلولاً متطوّرة للأزمة المتفاقمة، عبر بناء معامل الفرز والمعالجة وإعادة التدوير، لوقف الاستنزاف والتلوّث.
وتقول مصادر سبق لها أن شاركت ونظّمت لقاءات بين الموفدين الصينيين ومسؤولين لبنانيين، إن «طبيعة التمويل في هذه المشاريع يأخذ أشكالاً مختلفة، من القروض الطويلة الأمد حتى 30 عاماً بفوائد لا تتجاوز 1.5%، وأخرى عبر نظام الـBOT، والشراكة بين القطاع العام أو الدولة والقطاع الخاص».

الأسبوع المقبل سيتلقّى لبنان «رسالة اهتمام» صينية رسمية لتنفيذ المشاريع

ويوم أول من أمس، قبل خطاب نصر الله بساعات، كانت رسالة صينية قد حطّت في بيروت، تحمل تأكيداً لرغبة الصين في عقد صفقات كانت تجري دراساتها، لشراء مؤسسة مالية ومصرف يكون مركزاً مالياً لتحويل أموال الشركات الصينية.
وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن مجموعة شركات كبرى تعمل بشكل متكامل بعضها مع بعض، أبدت استعدادها الفعلي للعمل في لبنان، رغم الظروف الحالية. وتؤكّد المصادر أن «سبب عدم حضور الوفود الصينية إلى لبنان هو كورونا»، مؤكّدة أن «الوفود ستحضر عند أول فرصة تسمح بها إمكانية الحركة والتنقل، وهناك جاهزية عالية على المستوى الرسمي الصيني». وتؤكّد المصادر أنه «سبق لعدّة وفود أن أتت إلى لبنان واجتمعت مع قيادات سياسية عديدة، لبحث إمكانية التعاون».
وبحسب معلومات «الأخبار»، فإن الأسبوع المقبل سيحمل «رسالة اهتمام» رسمية جديدة للحكومة اللبنانية من بكين، تتعهّد فيها الصين بتنفيذ المشاريع المذكورة، علماً بأن وزارة الأشغال العامة والنقل، أيام الوزير يوسف فنيانوس، سبق أن وقّعت مذكرة تفاهم موضوعها النقل وسكّة الحديد.
وفيما خرجت السفارة الصينية في بيروت عن صمتها معلنةً استعداد بلادها للتعاون الكامل والعملي مع لبنان ببيان رسمي، حاولت السفيرة الأميركية دوروثي شيا التملّص من تحميل بلادها مسؤولية أزمة الدولار وتراجع سعر صرف الليرة في لبنان ردّاً على خطاب نصر الله أول من أمس، متناسية اعتراف الموفد الأميركي إلى سوريا قبل أيام، جيمس جيفري، بأن «سبب انهيار الليرة السورية هو الإجراءات الأميركية»، مستنداً إلى تطورات الأوضاع في لبنان، وتحديداً في القطاع المصرفي اللبناني.
ومن الصين إلى إيران والعراق، تعدّدت تفاهمات نصر الله لتأمين حاجيات لبنان من الوقود والحبوب، ومنع خطر الجوع الذي يضعه الاميركيون ثمناً للتمسك بسلاح المقاومة. فمنذ ما قبل تأليف الحكومة العراقية الجديدة، التي لعب حزب الله دوراً في تذليل العقبات أمام رئيسها مصطفى الكاظمي، تعهّد العراقيون بتأمين جزء من حاجات لبنان النفطية وتأجيل الدفع لسنتين أو أكثر مع ضمانات حكومية، وكذلك فتح الأسواق العراقية أمام الصادرات الزراعية والصناعية اللبنانية، ولا سيّما خلال الزيارة التي قام بها المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم إلى بغداد قبل نحو شهر. وكذلك الأمر بالنسبة إلى إيران، التي سبق أن خصصت حمولة عدد من ناقلات نفطها للسوق اللبنانية، مع تأكيد التعامل ببدائل من الدولار، منها الليرة اللبنانية، أو حتى بيع لبنان الوقود بأسعار مخفّضة جداً عن قيمته الفعلية في السوق العالمي. ليس هذا فحسب، يبدي العديد من الدول الآسيوية اهتماماً بالاستثمار في لبنان.
كل هذه الإيجابيات المحتملة، لا يبدو أنها ستكون محلّ إجماع لدى اللبنانيين، على مستوى القوى السياسية أو على المستوى الرسمي، حيث تنبئ ردود الفعل أمس ببدء حملة أميركية معاكسة، تجعل التعاون مع الصين محط خلاف داخلي على شكل لبنان ودوره واقتصاده، في عزّ الانهيار الاقتصادي وتآكل الدولة المركزية إلى أسوأ أحوالها.